أحمد الشرباصي
32
موسوعة اخلاق القرآن
حال عارضة غير دائمة ، ولا هي غاية مطلوبة للسالكين ، ولا مقدورة للبشر . ولا مأمور بها ، ولا هي أعلى المقامات ، فيؤمر باكتساب أسبابها ، فهذا فصل الخطاب في هذا الموضع . والله سبحانه وتعالى أعلم » . وفي مجال الحديث عن الإرادة نتذكر الأثر السائر : « ان لله عبادا إذا أرادوا أراد » . وإذا كان هناك من يشطح في تفسير هذا الأثر شطحا غير مقبول ولا معقول ، فنحن نفهمه على أن عباد الله الأبرار يستجيبون لربهم ، ويتقيدون بأمره ، ويخضعون ارادتهم لإرادته ، فلا يكون منهم الا ما يرضيه ، فكأن إرادة الله هي ارادتهم . ونحن نفهم هذا الفهم في ضوء الحديث القدسي المروي عن رب العزة جل جلاله ، وقد رواه البخاري في صحيحه ، وهو « من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرّب اليّ عبدي بشيء أحب اليّ مما افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرب اليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وان سألني لأعطينه ، ولئن استعاذ بي لأعيذنه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن ، يكره الموت وأنا اكره مساءته » . والمراد بالولي في هذا الحديث هو العالم بالله ، المواظب على طاعته ، المخلص في عبادته ، المريد لوجهه ، والمراد بالنوافل ما كانت حاوية للفرائض مشتملة عليها مكملة لها ، فما لم تؤد الفريضة لا تحصل النافلة . ولقد أشار القشيري إلى معنى التقرب حين قال : « قرب العبد من ربه يقع أولا بايمانه ، ثم باحسانه ، وقرب الرب من عبده ما يخصه به في الدنيا من عرفانه ، وفي الآخرة من رضوانه ، وفيما بين ذلك من وجوه لطفه وامتنانه » . ومثل هذا لا يريد الا ما يريده الله ، فإرادته معلقة بإرادة الله ، فإذا أراد فكأن الله أراد . رزقنا الله استقامة الإرادة وعلوها ، حتى لا نبعد عن حمى أولئك الأبرار الأطهار .